جلال الدين السيوطي

153

الإتقان في علوم القرآن

وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ [ البقرة : 145 ] ولما كان الخطاب لموسى من الجانب الغربيّ وتوجّهت إليه اليهود ، وتوجهت النصارى إلى المشرق ، كانت قبلة الإسلام وسطا بين القبلتين ، قال تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [ البقرة : 143 ] أي : خيارا ، وظاهر اللفظ يوهم التوسّط ، مع ما يعضده من توسّط قبلة المسلمين ، صدق على لفظة ( وسط ) هاهنا أن يسمّي تعالى به لاحتمالها المعنيين . ولمّا كان المراد أبعدها وهو الخيار ، صلحت أن تكون من أمثلة التورية . قلت : وهي مرشحة بلازم المورّى عنه ، وهو قوله : لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [ البقرة : 143 ] فإنّه من لوازم كونهم خيارا ، أي : عدولا ، و ( الإتيان ) قبلها من قسم المجرّدة . ومن ذلك قوله : وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ ( 6 ) [ الرحمن : 6 ] فإنّ النّجم يطلق على الكوكب ، ويرشّحه له ذكر الشمس والقمر . وعلى ما لا ساق له من النبات ، وهو المعنى البعيد له ، وهو المقصود في الآية . ونقلت من خط شيخ الإسلام ابن حجر : أنّ من التورية في القرآن قوله تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ [ سبأ : 28 ] فإنّ كَافَّةً بمعنى ( مانع ) أي : تكفّهم عن الكفر والمعصية ، والهاء للمبالغة ، وهذا معنى بعيد . والمعنى القريب المتبادر أنّ المراد جامعة بمعنى ( جميعا ) ، لكن منع من حمله على ذلك أنّ التأكيد يتراخى عن المؤكّد ، فكما لا تقول : رأيت جميعا الناس ، لا تقول رأيت كافة الناس . الاستخدام : هو والتورية أشرف أنواع البديع ، وهما سيّان ، بل فضّله بعضهم عليها . ولهم فيه عبارتان : إحداهما : أن يؤتى بلفظ له معنيان فأكثر مرادا أحد معانيه ، ثم يؤتى بضميره مرادا به المعنى الآخر . وهذه طريق السكاكيّ وأتباعه . والأخرى : أن يؤتى بلفظ مشترك ، ثم بلفظين ، يفهم من أحدهما أحد المعنيين ومن الآخر الآخر . وهذه طريقة بدر الدين بن مالك في المصباح . ومشى عليها ابن أبي الإصبع ، ومثل له بقوله تعالى : لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ [ الرعد : 38 ] الآية ، فلفظ كِتابٌ يحتمل الأمد المحتوم ، والكتاب المكتوب ، فلفظ أَجَلٍ يخدم المعنى الأول ، و يَمْحُوا يخدم الثاني . ومثّل غيره بقوله تعالى : لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى [ النساء : 43 ] فالصلاة